سيد محمد طنطاوي

67

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجدا . وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء » « 1 » . وفي حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمره قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم » ؟ قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ قال : « يتمون الصفوف المتقدمة ، ويتراصون في الصف » « 2 » . وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء ، لأجل الإعذار والإنذار به . كما في قوله - تعالى - في أوائل المرسلات : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً . عُذْراً أَوْ نُذْراً . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ) * هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند اللَّه إلى الناس ، وهذه الآية كقوله - تعالى - : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً . عُذْراً أَوْ نُذْراً « 3 » ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا : العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها من الطاعات ، ويزجرون غيرهم عن المعاصي ، ويتلون كلام اللَّه - تعالى - . ومنهم من يرى أن المراد بالصافات : الطيور التي تصف أجنحتها في الهواء وبالزاجرات وبالتاليات : جماعات الغزاة في سبيل اللَّه ، الذين يزجرون أعداء اللَّه - تعالى - : ويكثرون من ذكره . ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح ، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي سقناها قبل ذلك تؤيده ، ويؤيده - أيضا - ما يجيء بعد ذلك من أوصاف للملائكة كما في قوله - تعالى - : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلى ويُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ والمراد بالملإ الأعلى هنا . الملائكة . ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كابن مسعود وابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ومجاهد . وإنما أقسم اللَّه - تعالى - هنا بالملائكة ، لشرفهم ، وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره -

--> ( 1 ) صحيح مسلم : في كتاب المساجد ج 2 ص 63 . ( 2 ) صحيح مسلم كتاب الصلاة ج 2 ص 29 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 3 .